الشيخ محمد رشيد رضا
51
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ولا في الأرض إلا وهو ساجد له خاضع لسلطانه ( إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ ) ولكن الأشاعرة ينقلون عن المعتزلة القول بأنه يجب على اللّه كذا وكذا ويحتجون عليهم بقوله تعالى ( لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ) فيدل نقلهم على أنهم يوجبون عليه تعالى ايجاب من يكون مكلفا مسؤولا وهم لا يقولون بذلك ثم يحتجون بهذه الآية عليهم بأن له تعالى أن يعذب المؤمنين الصالحين حتى الملائكة والنبيين وأن ينعم الشياطين والمجرمين والآية انما تنفي أن يكون لاحد من الخلق سلطان على الرب عز وجل يحاسبه به ويسأله عن شيء ، وتثبت له وحده السلطان الاعلى على كل فاعل مختار من المكلفين كسائر خلقه فهو به يحاسبهم ويسألهم عما فعلوا بنعمه التي أنعم بها عليهم وعما كلفهم إياه ، ولا يدخل في هذا الاثبات انه يجوز عليه تعالى أن يجعل المسلمين كالمجرمين والمتقين كالفجار ، بل هذا محال عليه سبحانه كما يدل عليه العقل الذي وهبه ، والكتاب الذي أنزله ( 68 : 35 أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ؟ ( 36 ) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ( 28 : 27 ) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ ، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ؟ ) واننا ننقل عبارة لعالم مستقل في هذا الوجوب ليعرف الفرق بينه وبين كلام المتعصبين ، على أنه شديد الانكار على المخالفين قال الشيخ المقبلي في كتابه ( العلم الشامخ في ايثار الحق على الاباء والمشايخ ) واعلم أن المعتزلة اختلفوا فيما بينهم في معنى الوجوب على اللّه تعالى فقالت البصرية معناه في حق غيره وهو في حقه أحق وأولى ، فان قلت فمن لوازم الوجوب والقبح الثواب والعقاب وذلك لا يعقل في حق الباري تعالى . قلت هما من لوازم التكليف ، والتكليف عندهم طلب الباريء تعالى الفعل المتصف بالحكم من المكلف مع مشقة تلحق المكلف ومع إرادة المكلّف تعالى ، وقولنا « طلب » ليس من عباراتهم انما يقولون إعلام الباريء المكلف شأن الفعل الموصوف الخ والذي ذكرناه أولى فالتكليف غير معقول في حق الباري تعالى والتكليف انما يكون من الباري تعالى ولا يصح من غيره لان التكليف مصلحة خالصة أي جلب منفعة أو دفع مضرة ، ولوازمه عندهم الثواب الدائم والعقاب الدائم ، والعالم بكل مصلحة وكل مفسدة